الشيخ محمد رشيد رضا

489

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في الأسباب والمسببات الكسبية ، واتخاذهم لأجل ذلك آلهة يعبدون فيدعون من دون اللّه تعالى أو مع اللّه تعالى ، سواء أطلق عليهم لقب الرب والإله كما فعلت النصارى أم لا . وكشرع عبادات لم يأذن بها اللّه ، وتحريم ما لم يحرم اللّه ، كالطيبات التي حرمها القسوس والرهبان على أنفسهم وعلى من اتبعهم . مبالغة في التنسك ، سواء كان ذلك لوجه اللّه ، أم كان رياء وسمعة - نهى اللّه تعالى أهل الكتاب الذين كانوا في عصر نزول القرآن عن هذا الغلو الذي كان عليه من قبلهم من أهل ملتهم ، وعن التقليد الذي كان سبب ضلالتهم ، فذكرهم بأن الذين كانوا قبلكم قد ضلوا باتباع أهوائهم في الدين ، وعدم اتباعهم فيه سنة الرسل والنبيين ، والصالحين من الحواريين ، فكل أولئك كانوا موحدين ، ولم يكونوا مفرطين ولا مفرّطين ، وانما كانوا للشرك والغلو في الدين منكرين ، فهذا التثليث وهذه الطقوس الكنيسية الشديدة المستحدثة من بعدهم ، ابتدعها قوم اتبعوا أهواءهم ، فضلوا بها وأضلوا كثيرا ممن اتبعهم في بدعهم وضلالهم . واما الضلال الثاني التي ختمت به الآية فقد فسر باعراضهم عن الاسلام ، كما فسر الضلال الأول بما كان قبل الاسلام ، فالاسلام هو سواء السبيل ، أي وسطه الذي لا غلوّ فيه ولا تفريط ، لتحمتيه الاتباع ، وتحريمه الابتداع والتقليد ، ويجوز ان يكون الضلال الأول ضلال الابتداع والزيادة في الدين ، والضلال الثاني جهل حقيقة الدين وجوهره ، وكونه وسطا بين أطراف مذمومة ، كالتوحيد بين الشرك والتعطيل ، واتباع الوحي بين الابتداع والتقليد ، والسخاء بين البخل والتقتير ، الخ * * * فان قيل : كيف غلب على غلاة بني إسرائيل ذلك الضلال والاضلال ، وآثر أكثرهم اتباع الهوى على هدى الأنبياء ؟ وبماذا آخذهم اللّه تعالى على هذا الاصرار ؟ فالجواب عن ذلك قوله عز وجل لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ اللعن أشد ما يعبر اللّه تعالى به عن مقته وغضبه ، فالملعون منه هو المحروم من لطفه وعنايته ، البعيد عن هبوط ( تفسير القرآن ) ( 62 ) ( الجزء السادس )